محمد بن جرير الطبري

229

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : قال هو الشيطان ، وهو الخناس أيضا ، إذا ذكر العبد ربه خنس ، وهو يوسوس ويخنس حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ يعني : الشيطان ، يوسوس في صدر ابن آدم ، ويخنس إذا ذكر الله حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن أبيه ثور ، قال : ذكر لي أن الشيطان ، أو قال الوسواس ، ينفث في قلب الإنسان عند الحزن وعند الفرح ، وإذا ذكر الله خنس حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : الْخَنَّاسِ قال : الخناس الذي يوسوس مرة ، ويخنس مرة من الجن والإنس ، وكان يقال : شيطان الإنس أشد على الناس من شيطان الجن ، شيطان الجن يوسوس ولا تراه ، وهذا يعاينك معاينة وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول في ذلك مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الذي يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس ، حتى يستجاب له إلى ما دعا إليه من طاعته ، فإذا استجيب له إلى ذلك خنس . ذكر الرواية بذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله الْوَسْواسِ قال : هو الشيطان يأمره ، فإذا أطيع خنس والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به س شر شيطان يوسوس مرة ويخنس أخرى ، ولم يخص وسوسته على نوع من أنواعها ، ولا خنوسه على وجه دون وجه ، وقد يوسوس الدعاء إلى معصية الله ، فإذا أطيع فيها خنس ، وقد يوسوس بالنهي عن طاعة الله فإذا ذكر العبد أمر به ، فأطاعه فيه ، وعصى الشيطان خنس ، فهو في كل حالتيه وسواس خناس ، وهذه الصفة صفته . وقوله : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ يعني بذلك : الشيطان الوسواس ، الذي يوسوس في صدور الناس : جنهم وإنسهم . فإن قال قائل : فالجن ناس ، فيقال : الذي يوسوس في صدور الناس : قيل : قد سماهم الله في هذا الموضع ناسا ، كما سماهم في موضع آخر رجالا ، فقال : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فجعل الجن رجالا ، وكذلك جعل منهم ناسا . وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث ، إذ جاء قوم من الجن فوقفوا ، فقيل : من أنتم ؟ فقالوا : ناس من الجن ، فجعل منهم ناسا ، فكذلك ما في التنزيل من ذلك . آخر كتاب التفسير ، والحمد لله العلي الكبير .